الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

47

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجانب المقصور دونه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد . ولا يحسن ذكر الضد في الكلام البليغ . فقوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال ، فلذلك ابتدئ به ثم عطف عليه الإطعام ، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر ، وقد لا يجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعام أو يطعمه إياه ، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام . والرزق هنا : المال كقوله تعالى : فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [ العنكبوت : 17 ] وقوله : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ * [ الرعد : 26 ] وقوله : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [ الطلاق : 7 ] ، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 62 ] ويمنع من إرادته هنا عطف وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . [ 58 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 58 ] إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) تعليل لجملتي ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ الذاريات : 57 ] والرزق هنا بمعنى ما يعمّ المال والإطعام . والرزاق : الكثير الإرزاق ، والقوة : القدرة . وذو القوة : صاحب القدرة . ومن خصائص ( ذو ) أن تضاف إلى أمر مهم ، فعلم أن القوة هنا قوة خلية من النقائص . والمتين : الشديد ، وهو هنا وصف لذي القوة ، أي الشديد القوة ، وقد عدّ الْمَتِينُ في أسمائه تعالى . قال الغزالي : وذلك يرجع إلى معاني القدرة . وفي « معارج النور » شرح الأسماء « المتين : كمال في قوته بحيث لا يعارض ولا يدانى » . فالمعنى أنه المستغني غنى مطلقا فلا يحتاج إلى شيء فلا يكون خلقه الخلق لتحصيل نفع له ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران باتباع الشريعة التي يجمعها معنى العبادة في قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وإظهار اسم الجلالة في إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ إخراج للكلام على خلاف مقتضى